خطاب وزير خارجية إمارة أفغانستان الإسلامية المولوي أمير خان متقي في الاجتماع الثامن لصيغة موسكو

5 أكتوبر، 2026

موسكو، روسيا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

أصحاب المعالي والسعادة مسؤولي وزارة خارجية الاتحاد الروسي،، أعضاء صیغة موسكو الموقرين، والضيوف الكرام،

والممثلين الموقرين للدول،

السيدات والسادة!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بدايةً، أود أن أعرب عن خالص شكري لحكومة الاتحاد الروسي، وبالأخص لزميلي وزير خارجية الاتحاد الروسي، معالي السيد سيرغي لافروف، على إتاحة هذه الفرصة مجدداً لتمثيل إمارة أفغانستان الإسلامية واستعراض رؤيتنا حول الوضع في بلادنا والمنطقة.

أيها الحضور الكريم!

بما أن النظام الدولي يمر بمرحلة تطور حساسة، فإن هيكلية العلاقات بين القوى تشهد تغيراً ملموساً؛ حيث تزداد أهمية العلاقات الثنائية، والمنظمات الإقليمية، والآليات الإقليمية مقارنة بالماضي، وتسعى الدول في مختلف أنحاء العالم إلى تنظيم علاقاتها بناءً على مصالحها الوطنية والإقليمية.

وإذا ما أُجري تقييم واقعي ونسبِي للوضع في أفغانستان خلال السنوات القليلة الماضية، فمن الواضح أن حقبة الحرب في البلاد قد انتهت، وقد استتب الأمن الكامل في جميع أنحاء البلاد، وتم تعزيز مؤسسات الدولة، وانتقلت أفغانستان من حالة كانت تثير مخاوف أمنية للبلاد والمنطقة والعالم بسبب الحرب الطويلة وعدم الاستقرار، إلى مرحلة الاستقرار، وإعادة الإعمار الاقتصادي، والتفاعل الإقليمي.

إننا نؤمن بأن الاستقرار ليس إنجازاً يُحقق بين عشية وضحاها، بل هو مسار مستمر يتطلب الأمن، والنمو الاقتصادي، والتفاعل السياسي، والتعاون الإقليمي، ومن هذا المنطلق، وإلى جانب ما حققناه من إنجازات، فإننا ندرك بوضوح حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقنا لمواجهة التحديات.

أيها الحضور الكرام!

أنتم تدركون جيداً أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصرًا على البعد العسكري فحسب. ففي عالمنا المعاصر، يرتبط الأمن ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد، والتجارة، والطاقة، والمياه، والغذاء، والمعلومات، والاستقرار الاجتماعي، والترابط الإقليمي.

تؤمن إمارة أفغانستان الإسلامية بأن مستقبل منطقتنا يجب أن يقوم على الأمن المشترك، والتكامل الاقتصادي، والترابط الإقليمي، والحوار والتفاهم، بدلاً من التنافس الأمني.

لقد نجحت إمارة أفغانستان الإسلامية في القضاء على تنظيم داعش وغيرها من الجماعات التي كانت تشكل تهديداً كبيراً لأمن أفغانستان والمنطقة، كما أدارت بنجاح ملف مكافحة المخدرات، والتي تعد جزءاً محورياً من سياستنا الأمنية.

ونحن نؤمن بأن التحديات الأمنية اليوم لا تقتصر على حدود دولة واحدة. فتنظيم داعش وحلفاؤه، والشبكات الإجرامية، والاتجار بالمخدرات، والجرائم المنظمة، تتجاوز مفهوم الحدود. لذا، يجب أن تكون مكافحة هذه الظواهر جهداً إقليمياً أيضاً. إن أفغانستان مستعدة للتعاون المستدام مع جميع دول المنطقة في تعزيز أمن الحدود، ومكافحة التهريب والمخدرات.

وفي هذا السياق، أود أن أطرح بوضوح قضية العلاقات مع باكستان، لما لها من ارتباط مباشر بأمن واقتصاد المنطقة. إن إيماننا الراسخ هو أن المشكلات القائمة بين أفغانستان وباكستان، سواء كانت أمنية أو سياسية أو اقتصادية، يمكن حلها عبر الحوار والدبلوماسية.

إن أفغانستان لا ترغب في تحويل هذا الملف إلى ساحة للاتهامات المتبادلة والبروباغندا. هدفنا هو الحل، وليس البحث عن أدوات جديدة لتصعيد النزاع، ولكن مع الأسف، يجب القول إن النظام العسكري الحاكم في باكستان يتبع نهجاً غير سياسي؛ فبدلاً من التفاهم السياسي، لا يستخدم في علاقاته مع أفغانستان سوى اللغة العسكرية.

إنكم تعلمون أنه منذ فترة طويلة، يقوم الجيش الباكستاني بالاعتداء عسكرياً على سيادة أفغانستان، في انتهاك صارخ لكافة الأعراف والتقاليد الدولية. إنهم يستهدفون المرضى في المستشفيات، والطلاب في المدارس والجامعات، والأطفال، والنساء، والأبرياء في منازلهم. وقبل أيام قليلة من هذا الاجتماع، أدت غاراتهم العشوائية مرة أخرى في ولايات كنر وهلمند وبكتيكا إلى استشهاد عائلات بريئة.

وبالإضافة إلى الاعتداء العسكري، يقوم النظام العسكري الباكستاني بتحويل القضايا الإنسانية، مثل ممرات التجارة الإقليمية، واللاجئين، والطلاب، إلى أدوات للضغط الأقصى.

كما أن النظام العسكري في باكستان يواصل توجيه اتهامات لا أساس لها لأفغانستان، رغم ادعاءاته الأحادية الجانب، في حين أنه أطلق مؤخراً مشروعاً جديداً يهدف إلى زعزعة الأمن في أفغانستان والمنطقة. إنهم بالإضافة إلى الأفراد العسكريين التابعين للنظام السابق، يتعاونون مع عناصر من تنظيم داعش على محاولات ميدانية لنشر عدم الاستقرار في أفغانستان. لقد قاموا بحشد آلاف المسلحين بالقرب من خط “ديورند” لزعزعة الاستقرار الذي تحقق في أفغانستان، وإن محاولاتهم الفاشلة في نورستان وبدخشان وبعض المناطق الأخرى أمام أعينكم جميعاً.

ختاماً، إن إمارة أفغانستان الإسلامية ستقوم بتنظيم سياساتها الداخلية والخارجية باستقلالية تامة، ولن تحيد أبداً عن نهجها الأساسي تحت وطأة الضغوط، وتعتبر الدفاع عن سيادتها حقاً أصيلاً لا تنازل عنه.

أيها السادة الكرام!

إن مكافحة أفغانستان للمخدرات تمثل ركيزة أساسية لأمن المنطقة، ونتيجةً للإجراءات الصارمة المتخذة ضد زراعة الخشخاش وإنتاج المواد المخدرة في أفغانستان، انخفضت هذه المعدلات لتصل تقريباً إلى الصفر، ومع ذلك، فإننا نؤمن بأن قضية المخدرات ليست مجرد شأن داخلي لأفغانستان، بل هي قضية عالمية وإقليمية بامتياز.

وإذا كان مستوى الزراعة قد انخفض في أفغانستان، إلا أن زراعة المواد المخدرة قد شهدت ارتفاعاً غير مسبوق على الجانب الآخر من خط “ديورند”، حيث تقوم شبكات التهريب بمواصلة هذه الأنشطة الإجرامية عبر مسارات أخرى من خلال دول الجوار. وبناءً عليه، لن تُحل المشكلة بشكل كامل ما لم تُعالج من جذورها. لذا، فإننا ندعو كافة دول المنطقة إلى تعزيز التعاون الأمني والفني والاقتصادي المشترك لمكافحة هذه الآفة.

كما نؤمن إيماناً عميقاً بأنه، إلى جانب مكافحة زراعة الكوكايين، يجب توفير سبل عيش بديلة للمزارعين الأفغان، وتأمين وصولهم إلى الأسواق، وتهيئة المناخ اللازم لتصدير المنتجات الزراعية القانونية.

أيها السادة الكرام!

لقد مرت أفغانستان بظروف اقتصادية صعبة، إلا أن هناك مؤشرات واضحة الآن على الاستقرار وإعادة الإعمار الاقتصادي.

تُظهر المؤشرات الاقتصادية للسنة المالية ١٤٠٤ لأفغانستان صورة للتعافي التدريجي للأنشطة الاقتصادية. ففي هذه السنة، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة ١٫٥٪، مواصلاً بذلك مسار إعادة الإعمار الاقتصادي الذي بدأ بنمو قدره ٢٫٣٪ في السنة المالية ١٤٠٢، واستمر في عامي ١٤٠٣ و١٤٠٤.

وينصب تركيزنا على مجالات الإنتاج، والصناعة، والزراعة، وتوسيع الصادرات، والقطاع الخاص، والاستثمار. ونحن على يقين بأن المستقبل الاقتصادي لأفغانستان يجب أن يقوم على الإنتاج والتجارة والاستثمار، بدلاً من الاعتماد الكلي على المساعدات.

وفي هذا الصدد، يعكس ارتفاع استثمارات القطاع الخاص حيوية الأنشطة الاقتصادية وخلق استقرار اقتصادي في البلاد. ففي السنة المالية ١٤٠٤، بلغ إجمالي تكوين رأس المال الثابت ٢٨٦٫٥ مليار أفغاني، استثمر منها القطاع الخاص ٢٠٠٫٩ مليار أفغاني. كما ارتفعت نسبة الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي من ١٧٪ إلى ٢١٫٥٪، مما يشير إلى الدور المتنامي للقطاع الخاص في دفع عجلة التنمية الاقتصادية.

إن خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي من شأنه أن يعزز هذا المسار بشكل أكبر.

ومن هنا، ندعو دول المنطقة إلى تعزيز تعاملها في مجالات الاستثمار والشراكة الاقتصادية. تمتلك أفغانستان قدرات هائلة في قطاعات الطاقة، والمعادن، والزراعة، والصناعة، والترانزيت، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية، ونحن نسعى لتقديم أفغانستان كشريك اقتصادي طويل الأمد للمستثمرين في المنطقة.

إننا نرحب بالاستثمارات التي لا تكتفي بنقل رؤوس الأموال فحسب، بل تسهم في خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتطوير المهارات المهنية، وتعزيز الصادرات.

وفي هذا الإطار، تشكل القدرات الواسعة لثروات أفغانستان المعدنية فرصة جوهرية للنمو الاقتصادي والتنمية الصناعية والشراكة الإقليمية. إن الإدارة المنظمة والاحترافية للمناجم، جنباً إلى جنب مع عمليات الاستخراج وتطوير قدرات المعالجة والتكرير داخل البلاد، يمكن أن تلعب دوراً حيوياً في زيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتعزيز الصادرات، وزيادة الإيرادات الحكومية.

إن هدفنا هو استثمار الموارد الطبيعية في تعزيز الصناعات التحويلية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

أيها الحضور الكرام!

إننا في أفغانستان لا نسعى فقط لتحقيق الاستقرار في اقتصادها المحلي، بل نطمح إلى ربط اقتصادنا بشكل وثيق باقتصاد المنطقة.

إن الموقع الجغرافي لأفغانستان يمنحنا القدرة على أن نكون حلقة وصل استراتيجية بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، والصين، وروسيا، والشرق الأوسط، والأسواق العالمية الأخرى. إن تطوير مشاريع السكك الحديدية، والطاقة، والترانزيت، والممرات التجارية، والترابط الإقليمي ليس مجرد ملف اقتصادي بالنسبة لنا، بل هو أداة لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة وتحقيق المصالح المشتركة.

إننا ننظر إلى مبادرات مثل “تابي”، و”تاب”، و”كاسا 1000″، ومشروع سكة حديد “ترانس أفغان”، وغيرها من المشاريع الإقليمية من هذا المنظور، ونحن نؤمن بأن أفغانستان لا ينبغي أن تكون ساحة للتنافس الإقليمي، بل يجب أن تكون نقطة الملتقى للتعاون الإقليمي.

بناءً على ذلك، فإننا ندعو إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع كافة الدول، ونحن لا نعرّف العلاقات الاقتصادية لدولة ما بأنها علاقة ضد دولة أخرى. تسعى أفغانستان لربط نفسها بكل المسارات التي توفر فرصاً اقتصادية للبلاد والمنطقة.

وتؤكد الأرقام الأخيرة لتجارتنا أن العلاقات الاقتصادية لأفغانستان قد توسعت مع مختلف دول المنطقة.

وهذا يبرز ملامح سياستنا الاقتصادية الخارجية: نحن نسعى لتنويع علاقاتنا التجارية والاقتصادية، ولا نريد أن نظل رهينة لدولة واحدة أو مسار اقتصادي واحد.

السادة الحضور الكرام!

أود أن أقول بشأن السياسة الخارجية لأفغانستان، إن أفغانستان لا تتبع سياسة الأبواب المغلقة. إن سياستنا هي سياسة الأبواب المفتوحة، والتفاعل المتوازن، والاحترام المتبادل، والتعاون الاقتصادي، وتوسيع العلاقات على أساس المصالح المشتركة.

نحن لا نعرّف توسيع العلاقات مع أي دولة على أنه موقف ضد دولة أخرى، ولا نريد لأفغانستان أن تكون جزءاً من لعبة “المجموع الصفري” في التنافسات الدولية والإقليمية.

هدفنا هو التعامل مع جميع الدول، وتحديد المصالح المشتركة مع الجميع، وفي الحالات التي تبرز فيها خلافات، نعمل على إدارتها من خلال الحوار والدبلوماسية، مع السعي لتوسيع نطاق التعاون في المجالات ذات المنفعة المتبادلة.

وبناءً على ذلك، نأمل في توسيع تعاملاتنا السياسية والاقتصادية لتشمل أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وسائر دول العالم، بما يتجاوز النطاق الإقليمي.

إننا نؤمن بأن التعامل مع أفغانستان هو الوسيلة الأكثر واقعية وتأثيرا لحل كافة القضايا، وفي هذا السياق، يمثل الاعتراف الرسمي من قبل الاتحاد الروسي بإمارة أفغانستان الإسلامية تطورا مهماً، وإننا نرى في هذه الخطوة، إلى جانب العلاقات الثنائية بين أفغانستان وروسيا، خطوة مهمة في إطار تعزيز التفاعل الإقليمي، ونأمل أن تحذو الدول الأخرى حذو الاتحاد الروسي، من أجل جعل مسار التعاون العملي بين دول المنطقة أكثر رسمية واتساعاً.

السادة الممثلون المحترمون!

إذا حصرنا مستقبل أفغانستان في زاوية الأمن فقط، فإننا سنغفل عن جزء كبير من إمكانات هذه البلاد. إن لأفغانستان فرصاً هائلة؛ فلدينا فرص في نقل الطاقة، والتبادل التجاري الإقليمي، والترانزيت، وفرص في التعدين والموارد الطبيعية، والزراعة والتصدير، والأهم من ذلك كله، الفرصة لظهور كدولة تشكل حلقة الوصل بين آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية وبقية أجزاء المنطقة.

لقد حان الوقت لكي تُعرف أفغانستان كشريك مسؤول من أجل المصالح المشتركة. لقد آن الأوان للانتقال من مفهوم “إدارة المشكلات” المتعلقة بأفغانستان إلى مفهوم “خلق الفرص”.

إننا ندعو الدول من خارج المنطقة إلى ضبط سياساتها تجاه أفغانستان بناءً على الحقائق الملموسة، والتواصل المباشر، والمصالح المتبادلة، وأي قضية تتعلق بأفغانستان يجب أن تُطرح عبر التعامل الدبلوماسي المباشر، بدلاً من سياسات الضغط والعزل.

تريد أفغانستان أن تؤدي دورها في مستقبل المنطقة كشريك مسؤول، ونحن نؤمن بأن استقرار أفغانستان ليس لمصلحة الأفغان فحسب، بل هو لمصلحة آسيا الوسطى، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، والصين، وروسيا، ولمصلحة العالم أجمع.

أشكركم على حسن استماعكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Click here to continue