الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله…
أما بعد:
أصحاب المعالي نواب الوزراء وممثلو جمهوريات أوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان وكازاخستان المحترمون،
والسادة الضيوف الكرام وجميع المشاركين الأفاضل؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
صباح الخير،
يسرّني أن نكون اليوم في عاصمة أفغانستان، كابل، شهودًا على انعقاد الاجتماع التشاوري الأول بين أفغانستان ودول آسيا الوسطى. ويُعدّ هذا اللقاء، الذي نُظِّم بمبادرة من وزارة الخارجية في إمارة أفغانستان الإسلامية وبمشاركة ممثلين رفيعي المستوى من أوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان وكازاخستان، آليةً سياسيةً تشاوريةً متعددة الأطراف، تهدف إلى تبادل الرؤى حول التطورات الإقليمية، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي، واستكشاف السبل العملية لتوسيع مجالات التعاون بين أفغانستان وآسيا الوسطى، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والنقل والترانزيت والربط الإقليمي.
وخلال ما يقارب السنوات الخمس الماضية، شهدت العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والترانزيت الإقليمي بين إمارة أفغانستان الإسلامية ودول آسيا الوسطى—مثل أوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان—خطوات بنّاءة وفعّالة، حتى أصبحنا اليوم أمام نموذج حيّ للفرص المشتركة والتعاون والتكامل الإقليمي. إن النهج العملي القائم على التعاون وتغليب منطق الفرص، الذي تتبعه دول آسيا الوسطى في تعاملها مع أفغانستان، مع التركيز على التفاعل السياسي والتعاون الاقتصادي، يشكّل مثالًا ناجحًا على بناء الثقة المتبادلة والشراكة الإقليمية.
وسيركّز هذا الاجتماع على جملة من الأهداف الأساسية، من أبرزها:
تعزيز الحوار السياسي والتنسيق الدبلوماسي بين إمارة أفغانستان الإسلامية ودول آسيا الوسطى؛
تحديد فرص جديدة للتعاون الإقليمي ضمن إطار مقاربة قائمة على الاقتصاد؛
تبادل وجهات النظر بشأن دور التعاون في دعم الاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.
ونأمل أن يُفضي هذا اللقاء، من خلال تقييم مشترك للفرص والتحديات، إلى رسم خارطة طريق واضحة لتعزيز التعاون الشامل بين أفغانستان ودول آسيا الوسطى في المجالات السياسية والتجارية والترانزيتية والأمنية، فضلًا عن قضايا التغير المناخي.
نجتمع اليوم في وقت يواجه فيه النظام الدولي تساؤلات وتحديات جدية، وتتزايد فيه السرديات المتباينة والمتعارضة؛ ففي حين تشهد قارة آسيا، ولا سيما منطقة أوراسيا، حراكًا اقتصاديًا متسارعًا، تعاني منطقة غرب آسيا من أزمات وصراعات مستمرة. ولا شك أن أفغانستان ودول آسيا الوسطى تتأثر بهذه التحولات، الأمر الذي يستدعي منا إدارة هذه التحديات المشتركة بصورة جماعية، والاستفادة المثلى من الإمكانات المتاحة لتحقيق التقدم والازدهار وتعزيز التكامل الإقليمي.
السادة الحضور الكرام،
ترتكز العلاقات بين أفغانستان ودول آسيا الوسطى على روابط تاريخية وجغرافية ودينية وثقافية واجتماعية عميقة. لقد عشنا قرونًا كجيران متقاربين، تجمعنا هوية مشتركة وآلام مشتركة ومستقبل واحد. ومن جهة، أسهم أعلام العالم الإسلامي الكبار، كالإمام أبي حنيفة والإمام البخاري والإمام الترمذي (رحمهم الله)، في تأسيس الحضارة الإسلامية المشرقة في هذه المنطقة، ومن جهة أخرى، أغنى شخصيات تاريخية وثقافية مثل أبي الريحان البيروني، ورودكي، ومختومقلي فراغي، وأمير علي شير نوائي، وأبي نصر الفارابي، تراثنا المشترك. وعلى هذه المشتركات الراسخة تقوم أسس علاقاتنا.
واليوم، وبحمد الله، أصبح الخطاب السائد بين إمارة أفغانستان الإسلامية ودول آسيا الوسطى خطابًا قائمًا على الفرص والتعاون والتكامل الإقليمي، لا على المواجهة أو التصورات الخاطئة. ونحن قادرون معًا على بناء نموذج ناجح للتعاون الإقليمي وفتح آفاق جديدة لتطوير علاقاتنا في مختلف المجالات.
السادة الضيوف الكرام،
إن السياسة الخارجية لإمارة أفغانستان الإسلامية تقوم على مبدأ التوازن والاقتصاد المحوري، وترتكز على الأخوة الإسلامية، وحسن الجوار، والاحترام المتبادل، والتعاون. وتحتل دول آسيا الوسطى مكانة خاصة في هذه السياسة. فإلى جانب تعزيز العلاقات الثنائية، نولي أهمية كبرى لاعتماد مقاربة إقليمية تأخذ في الحسبان الفرص والتحديات المشتركة. وبفضل هذه السياسة، تتمتع أفغانستان اليوم بعلاقات دبلوماسية وتفاعل بنّاء مع العديد من دول المنطقة والعالم، وتُعدّ علاقاتنا الحالية مع دول آسيا الوسطى مثالًا واضحًا على ذلك.
ولا يخفى أن هناك تحديات إقليمية لا تزال تؤثر سلبًا على التعاون الاقتصادي والبنية التحتية بين أفغانستان وآسيا الوسطى. فبعض المقاربات الأمنية التي تعتمدها جهات إقليمية تعيق حركة الترانزيت، مما يهدد المصالح المشتركة للمنطقة.
وفي هذا السياق، شاركت الحكومة الأفغانية، بروح صادقة وسعي حثيث نحو الحلول، في المفاوضات الجارية مع باكستان، والتي تُعقد حاليًا بمبادرة من الصين في مدينة أورومتشي. وموقفنا واضح: إن إمارة أفغانستان الإسلامية تؤمن دائمًا بحل القضايا عبر الحوار والاحترام المتبادل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وشعبها.
السادة الحضور،
تتشارك أفغانستان حدودًا تمتد لنحو 2329 كيلومترًا مع طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، مما يستدعي تعاونًا مشتركًا لتعزيز تحصينات ضفاف نهر آمو، وتحديث العلامات الحدودية. كما أن التهديدات المشتركة، مثل الجماعات المتطرفة كتنظيم داعش، وتهريب المخدرات، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، تفرض علينا مسؤولية جماعية. وقد اتخذت الأجهزة الأمنية الأفغانية خطوات جدية في هذا المجال، وتعاملت بحزم مع أي محاولات للإضرار بالعلاقات الودية، وأصبحت الحدود اليوم خالية من المشكلات الأمنية، ونحن على استعداد لتعزيز التعاون في هذا الصدد.
لقد استطاعت أفغانستان، بعد ما يقارب نصف قرن من عدم الاستقرار، أن تحقق استقرارًا حقيقيًا وسلامًا شاملًا في ظل نظام إسلامي، مع تعزيز مؤسسات الحكم، والقضاء على الفساد الإداري، والمضي قدمًا في رقمنة الإدارة. وبناءً على توجيهات القيادة العليا، تم حظر زراعة وتهريب المخدرات، وانخفضت نسبتها إلى مستويات شبه معدومة.
السادة المشاركون الكرام،
اعتمدت أفغانستان سياسة اقتصادية تهدف إلى تهيئة بيئة مناسبة للتجارة والاستثمار الأجنبي. وتم الحفاظ على استقرار العملة الوطنية، ووفقًا لتقارير البنك الدولي، بلغ معدل النمو الاقتصادي في عام 2025 نحو 4.3%. كما وصل حجم التجارة مع دول آسيا الوسطى إلى 2.7 مليار دولار، بزيادة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، ونسعى إلى رفع هذا الرقم إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث إلى الأربع القادمة.
وبفضل موقعها الجيو-اقتصادي، تسعى أفغانستان إلى ربط آسيا الوسطى بجنوب وغرب آسيا. ويُعد مشروع “أفغان–ترانس” من أولوياتنا، كما تتقدم أعمال مشاريع “تابي” و“تاب” و“كاسا-1000” بوتيرة متسارعة. ونطمح إلى المشاركة الفاعلة في برامج النقل الإقليمي، وشبكات السكك الحديدية، وحماية البيئة. كما نولي أهمية كبيرة للمشاركة في مبادرة “آسيا الوسطى الخضراء”، ولدعم دول المنطقة لانضمام أفغانستان بصفة مراقب في منظمة شنغهاي للتعاون.
السادة الضيوف الكرام،
في الختام، أود أن أعرب مجددًا عن شكري وتقديري لمشاركتكم ودعمكم لهذا الاجتماع المهم، وأن أؤكد على جملة من النقاط:
- تعزيز هذا الاجتماع التشاوري واستمراريته بصورة منتظمة؛
- تنظيم مؤتمر بحثي مشترك للخبراء من الجانبين لوضع خارطة طريق عملية للتعاون؛
- مناقشة اعتماد مقاربة أمنية مشتركة لمعالجة التحديات الإقليمية؛
- تطوير سياسة منسّقة ومشتركة في مجالي التجارة والترانزيت؛
- العمل المشترك للتخفيف من آثار التغير المناخي.
شكرًا لحسن استماعكم.