بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
أصحاب السعادة، رؤساء مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في دول آسيا الوسطى، وجمهورية أذربيجان وأعضاء الوفود المرافقة، والضيوف الكرام والمشاركون الأفاضل!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صباح الخير جميعا.
يسرّني ويسعدني أن يُعقد اليوم في مدينة كابول الجميلة الاجتماع الأول لـ “مركز الدراسات الاستراتيجية في أفغانستان وآسيا الوسطى” تحت عنوان: “الدور الاستراتيجي لمراكز الفكر في تعزيز التعاون الإقليمي”.
أرحّب بكم جميعاً من أعماق قلبي، وآمل أن يتمكن هذا الاجتماع، الذي يعقد بمبادرة من “مركز الدراسات الاستراتيجية” بوزارة الخارجية لإمارة أفغانستان الإسلامية، وبمشاركة رؤساء والوفود الموقرة لمراكز الدراسات والفكر في كل من تركمانستان، وجمهورية أوزبكستان، وجمهورية قازاقستان، وجمهورية طاجيكستان، وجمهورية قيرغيزستان وجمهورية أذربيجان، في التعرّف على مجالات التعاون العلمي والبحثي والفكري المشترك وتعزيزها بين المؤسسات البحثية في المنطقة، وتقديم مقترحات ومشاريع بنّاءة وعملية لصنّاع القرار في الدول، بما يعود بالنفع والفائدة للجميع.
الحضور الكرام!
في ظلّ التحولات والتحديات التي يشهدها النظام العالمي، يمرّ النظام الدولي الراهن بمرحلة حساسة من تاريخه؛ مرحلة تتشكل فيها تصورات متباينة وروايات متناقضة من جهة، وتتنامى فيها في الوقت نفسه الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون الاجتماعي والتعددية من جهة أخرى، وفي هذا السياق، شهدت العلاقات بين أفغانستان ودول آسيا الوسطى، بما في ذلك أذربيجان، بحمد الله، تطوراً ملحوظاً واتساعاً غير مسبوق، استناداً إلى رؤية عملية قائمة على استثمار الفرص وتعزيز التعاون.
إننا نجتمع اليوم ليس فقط بوصفنا ممثلين لدولنا، بل كذلك باعتبارنا مفكرين وخبراء وقادة للرأي في فضاء جغرافي مشترك، ساعين للارتقاء بالعلاقات بين دول المنطقة، ولا سيما بين إمارة أفغانستان الإسلامية ودول آسيا الوسطى، من مستوى التعاون القائم إلى مرحلة أعمق وأكثر استدامة من التكامل والتقارب.
ولا شك أن اتخاذ قرارات أكثر فاعلية وبناء روايات إقليمية نابعة من واقعنا ومستقبلنا المشترك يتطلب من الباحثين والخبراء في المؤسسات الفكرية والبحثية وضع خارطة طريق عملية وشاملة لمستقبل التعاون في مختلف المجالات، الأمر الذي يجعل التعاون بين مراكز الدراسات وبيوت الفكر في المنطقة ضرورة لا غنى عنها، وليس مجرد خيار.
السادة الخبراء والباحثون!
إن التحديات والفرص التي تواجه منطقتنا تبرز أكثر من أي وقت مضى الحاجة إلى تعزيز البحث العلمي والتعاون بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وأود أن أشير بإيجاز إلى بعض هذه التحديات:
أوّلا: التحديات البيئية والتغير المناخي: تواجه منطقتنا أزمات مثل تغيّر المناخ، وشحّ المياه، وتلوّث الهواء، ومشكلات بيئية مشتركة أخرى. هذه التهديدات لا تعترف بالحدود السياسية. يجب على مراكزنا البحثية، من خلال إنتاج بيانات دقيقة وتحليلات علمية، أن توفر للدول حلولاً مشتركة لإدارة هذه الأزمات.
ثانيا: الهواجس الأمنية والأزمات الإقليمية: لقد جلبت الحروب والأزمات الجارية في محيط المنطقة تقلبات حادة على الحدود والاقتصاد وسلاسل الإمداد. في مثل هذه الظروف، لا تقتصر مهمّة مراكز الدراسات والبحوث على الجانب الآكاديمي فحسب، بل يمكنها أن تتحول إلى أذرع فكرية ومحركات للدبلوماسية الإقليمية، من خلال تقديم رؤى وحلول علمية وعملية لإدارة النزاعات وتعزيز التقارب.
ثالثا: الفرص الاقتصادية والترانزيت: تمثل أفغانستان، جسراً طبيعياً يربط بين آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية، وتمتلك قدرة كبيرة لتعزيز الترابط الإقليمي، وإن مشاريع مثل “كاسا-1000” وخط أنابيب الغاز “تابي” وشبكات السكك الحديدية الإقليمية لن تحقق أهدافها المرجوّة إلا إذا استندت إلى دراسات اقتصادية دقيقة، واستشراف علمي للمستقبل، وتقييمات فنية متخصصة، ومن واجب المراكز البحثية تبيين المصالح المشتركة لهذه المشاريع بما يعزز الثقة المتبادلة بين الدول.
رابعا: ضرورة صياغة رواية إقليمية أصيلة: إن الفرص والتحديات ومستقبلنا المشترك تستوجب صياغة روايات محلية ووطنية. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبرز الحاجة إلى أن يكون الباحثون في أفغانستان وآسيا الوسطى هم من يصوغون ويقدّمون رواية الواقع الإقليمي، وفرصه وتحدياته، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا من خلال إنشاء تعاونات بحثية منسقة ومتكاملة، وتبادل مستمر للنتائج العلمية والمعرفية.
الضيوف الكرام
على الرغم من أن الاجتماع الأول الناجح للحوار التشاوري بين أفغانستان وآسيا الوسطى، الذي عُقد في كابل بتاريخ 5 أبريل 2026، قد وفر إطاراً سياسياً مهماً لتطوير التعاون الإقليمي، فإن الحاجة ما زالت قائمة لإنشاء آلية متخصصة قائمة على البحث العلمي لتحويل الالتزامات والتفاهمات السياسية إلى مقترحات عملية قابلة للتنفيذ، وضمان استمرارية التعاون الإقليمي بما يتجاوز نطاق المشاورات السياسية.
ويهدف اجتماعنا اليوم إلى توفير منصة للحوار التحليلي، وتبادل الآراء المتخصصة، وتقديم توصيات وسياسات عملية بشأن أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل التعاون الإقليمي بين أفغانستان ودول آسيا الوسطى.
ويسعى هذا الاجتماع إلى تحقيق الأهداف التالية:
-تعزيز الفهم المتبادل بين إمارة أفغانستان الإسلامية ودول آسيا الوسطى، بما في ذلك جمهورية أذربيجان.
-دراسة وصياغة مقترحات بحثية تسهم في تنفيذ الالتزامات والتفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الحوار التشاوري الأول بين أفغانستان وآسيا الوسطى.
-تعميق المعرفة بالتطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، وتقييم آثارها على أفغانستان ودول آسيا الوسطى.
-استكشاف آليات جديدة للتعاون في مجالات الترابط الإقليمي والتنمية الاقتصادية والنقل والتجارة والاستثمار والتبادل الثقافي والدبلوماسية الثقافية.
-تعزيز التعاون العلمي والبحثي بين مراكز الدراسات الاستراتيجية وبيوت الفكر والمؤسسات البحثية في المنطقة من خلال هذا المنتدى العلمي والفكري.
-الإسهام في إنتاج المعرفة المحلية وصياغة رؤية إقليمية للفرص والتحديات ومستقبل التعاون المشترك بالاعتماد على القدرات العلمية والفكرية لدول المنطقة.
السّادة الخبراء وأصحاب الرأي!
في الختام، أودّ التأكيد على أن التعاون العلمي والبحثي يمثل أكثر أشكال الدبلوماسية بين الشعوب والدول استدامة، وأقلها تكلفة وأكثرها تأثيراً، وقد أثبتت التجارب الدولية أن العديد من المبادرات السياسية والاقتصادية والإقليمية الكبرى بدأت أفكاراً في الأوساط الأكاديمية ومراكز الفكر قبل أن تتحول إلى سياسات رسمية تتبناها الحكومات.
إنّ مسؤوليتنا التاريخية اليوم هي أن نوفر البنية التحتية الفكرية اللازمة للقرارات السياسية والاقتصادية الكبرى في المنطقة، من خلال إنشاء آليات تعاون مستدامة، وعقد اجتماعات منتظمة ودورية، وتحديد مشاريع بحثية مشتركة، وتبادل الباحثين، ونشر الأعمال العلمية المشتركة، وتوسيع العلاقات بين المؤسسات الدراسية.
إن أفغانستان، لما تجمعها من مشتركات عميقة دينية وحضارية وجغرافية، إضافة إلى مستقبل مشترك يتضمن فرصاً اقتصادية واعدة مع دول آسيا الوسطى، تؤمن بأن مستقبلاً مستقراً ومزدهراً وآمناً لجميع دول المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التعاون، والثقة المتبادلة، والترابط الإقليمي، والفهم المشترك للمصالح الاجتماعية.
تمدّ أفغانستان يد التعاون العلمي إلى الباحثين والمفكرين في سائر الدول، ولا سيما في دول آسيا الوسطى، بما فيها جمهورية أذربيجان. وأرجو أن يشكّل هذا الاجتماع بداية فصل جديد من التعاون البحثي في المنطقة، وأن يسهم في تعزيز الحوار العلمي، وتبادل وجهات النظر، وإنتاج المعرفة المشتركة، واستكشاف فرص جديدة للتعاون، ورسم آفاق أكثر إشراقاً لمستقبل منطقتنا.
أشكركم جميعا على حضوركم القيم في هذا الاجتماع، وأرجو من الله تعالى التوفيق والنجاح والانجازات المثمرة لمنظمي هذا الاجتماع ومشاركيه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.